ابن أبي الحديد

119

شرح نهج البلاغة

قال : ( وإنما تسيرون في أثر بين ) ، أي أن الأدلة واضحة ، وليس مراده الامر بالتقليد ، وكذلك قوله : ( وتتكلمون برجع قول قد قاله الرجال من قبلكم ) ، يعنى كلمة التوحيد ( لا إله إلا الله ) ، قد قالها الموحدون من قبل هذه الملة ، لا تقليدا ، بل بالنظر والدليل ، فقولوها أنتم كذلك ! . ثم ذكر أنه سبحانه قد كفى الخلق مؤونة دنياهم ، قال الحسن البصري : إن الله تعالى كفانا مؤونة دنيانا ، وحثنا على القيام بوظائف ديننا ، فليته كفانا مؤونة ديننا ، وحثنا على القيام بوظائف دنيانا . قوله : ( وافترض من ألسنتكم الذكر ) ، افترض عليكم أن تذكروه وتشكروه بألسنتكم ، و ( من ) متعلقة بمحذوف دل عليه المصدر المتأخر ، تقديره : ( وافترض عليكم الذكر من ألسنتكم الذكر ) . ثم ذكر أن التقوى المفترضة هي رضا الله وحاجته من خلقه ، لفظة ( حاجته ) مجاز ، لان الله تعالى غنى غير محتاج ، ولكنه لما بالغ في الحث والحض عليها ، وتوعد على تركها جعله كالمحتاج إلى الشئ ، ووجه المشاركة أن المحتاج يحث ويحض على حاجته وكذلك الامر المكلف إذا أكد الامر . قوله : ( أنتم بعينه ) ، أي يعلم أحوالكم ، ونواصيكم بيده ، الناصية : مقدم شعر الرأس ، أي هو قادر عليكم قاهر لكم ، متمكن من التصرف فيكم ، كالانسان القابض على ناصية غيره . وتقلبكم في قبضته ، أي تصرفكم تحت حكمه ، لو شاء أن يمنعكم منعكم ، فهو كالشئ في قبضة الانسان ، إن شاء استدام القبض عليه ، وإن شاء تركه . ثم قال : إن أسررتم أمرا علمه ، وأن أظهرتموه كتبه ، ليس على أن الكتابة غير العلم ، بل هما شئ واحد ، ولكن اللفظ مختلف .